عبدالله عمر البيتي
تعاني المرأة اليمنية من ذوي الإعاقة معاناةً معقدةً مليئةً بالتمييز والإهمال والدونية، ووضع حواجز تقيد مشاركتها اليومية في المجتمع على قدم المساواة مع غيرهن، وغياب مُمنهج للحقوق على مختلف الأصعدة: الصحية، التعليمية، الزّواج، العمل، والميراث، والقائمة تطول جدًا. ولم تكن إعاقتها شافعةً لها فقد تجرعت من نفس كأس المرارة الذي سقته الحرب لكل اليمنيين على اختلافهم، وكان لها كل النصيب من الكفاح والنضال من أجل العيش بكرامة، في ظل شحة في حجم التمكين الاقتصادي للمرأة اليمنية بشكلٍ عام.
في تصنيفٍ من أحد عشر مؤشرًا أجراه معهد جورج تاون للمرأة والسلام والأمن العالمي بالولايات المتحدة الأمريكية، ومعهد أبحاث السلام في أوسلو 2021/2022 ارتكز على حقوق المرأة، وتوفير مناخ حياة مناسب للنساء بشكلٍ عام، ووضع المرأة وإنجازاتها المختلفة احتلت اليمن المركز رقم 168 على مستوى جميع دول العالم من أصل 170 دولةً في هذا التصنيف.
تفتقر المرأة اليمنية من ذوي الإعاقة بشكلٍ كبيرٍ إلى غيابِ الدّعم، واِنسداد الأفق على المُستوى المعنوي، وتعاني من اِنعدام مراكز الرعاية والتأهيل الخاصة، وإن وجدت فهي محدودة جدًا وبإمكانات متواضعة جدًا، إلى جانب تدني الوعي المجتمعي في التعامل معهن كشريكات فاعلات في المجتمع، لا عالةً عليه، يُنظر لهن بعين الشفقة والانتقاص. وتحلم المرأة اليمنية من ذوي الإعاقة بأحلامٍ جمَّة على رأسها مواصلة التعليم، والعودة للاندماج بالمجتمع.
كما لا توجد حتى اللحظة إحصائية رسمية لعدد اليمنيات اللاتي يعانين إعاقة سواءً حركية أو ذهنية أو غيرها لدى الجهات المختصة، إلا أنّ تقديرات منظمة العفو الدولية تؤكد أن نسبة ذوي الإعاقة بشكلٍ عامٍ في البلد تصل إلى 15% من إجمالي السكان، المقدّر عددهم بحوالي 30 مليون نسمة، أي ما يقارب أربعة ملايين ونصف المليون معاق، الأمر الذي يجعل حرمان هذه الفئة الهامة وبالأخص النساء منهم من الحُقوق المختلفة إهدارًا لطاقات شريحة واسعة من المجتمع يمكن أن تصنع فارقًا كبيرًا.
الزواج كحق.. يمنعه المجتمع
لمياء سالم -25 عامًا- (من محافظة حضرموت شرق اليمن) عانت بسبب إعاقتها من نظرة المجتمع الدونية القاصرة بأنها غير صالحة حتى للزواج، إلى أن تقدّم لها رجلًا يكبرها بسنين (في العقد السادس من عمره)، قبلت به الأسرة بكل سرور وعلى عجل،
“وكأنهم يريدون الخلاص مني -كسقط المتاع- لاعتقادهم بأني غير قادرة على خوض هذه التجربة مع من استحق” على حد قولها. وكانت نتيجة ذلك أن حياتهما الزوجية لم تستمر سوى تسعةَ أشهرٍ فقط كانت مليئة بكثير من المرارة والألم، وعادت مرةً أخرى إلى بيت أهلها يكسوها الانطواء والانكسار مثخنة بذكريات مرّة، وواقع أمر.
والواقع أن العيب ليس في ذوي الإعاقة، بل في المجتمع الذي ينظر إليهم باعتبارهم أشخاصًا ناقِصين، وهنا لابد من تضافر الجهود على كل المستويات، ابتداءً من المجتمع وأفراده وانتهاءً بالدور الهام الذي يلعبه الإعلام للعملِ على تغيير هذه النظرة السلبيّة حول زواج ذوات الإعاقة، وحقهن في فتح بيت وتكوين أسرة والاستقلال بها وإنجاب أطفال (وفق ضوابط وشروط نوع الإعاقة(
الدكتور خالد بن علي النعيمي -رئيس الاتحاد العربي للمكفوفين- يشير إلى ذلك بقوله: “أنا كمسؤول عن منظمة تضم 42 مليونًا من ذوي الإعاقة في الوطن العربي، ألاحظ أن ذوي الإعاقة يجد صعوبة غير طبيعية عند التفكير -لمجرد التفكير فقط- في الزواج”.
وفي أحسن الأحوال ليس من السهل على الشخص من ذوي الإعاقة أن يجد شريكًا لحياته، وتلعب هنا عوامل وظروف أخرى غير الإعاقة دورًا في الأمر مثل المستوى الاجتماعي والاقتصادي للشخص من ذوي الإعاقة، فالشخص ذوي الإعاقة القادر ماليًا يكون من الأسهل عليه الزواج، والأمر نفسه عند الحديث عن المستوى أو الطبقة الاجتماعية، وبالتالي فإنه للأسرة والمجتمع دورًا أساسيًا في التّشجيع والدفع ذوي الإعاقة نحو الأمام، ولا يخلو تفكير المجتمع من (إعاقة ذهنية) اتجاه الشخص من ذوي الإعاقة، تمنع المعني من تحقيق الاندماج الاجتماعي، ومن الشعور بالثقة في الذات ومن التقدير والمحبة في مجتمعه. فالزواج حقٌ لكلِّ بني آدم، ولا فرقَ في ذلك بين سويٍ ومعاق، ما دامت الاستطاعة حاصلة والقدرة حاضرة.
وتأييدًا لهذا الاتجاه يقول -الخبير الاجتماعي الإماراتي- ناظم فوزي: “الكثير من الدراسات التي أجريت في السنوات القليلة الماضية أكدت وبشكلٍ ملحوظ على زيادة الوعي لدى الأشخاص ذوي الإعاقة في حقهم بالزواج، وتكوين أسرة، وتنشئة أطفال، ومطالبة الحكومات وصانعي القرار في الدول المختلفة بهذا الحق”.
■حرمان من التعليم
يعزى حرمان معظم اليمنيات من ذوي الإعاقة من حقهن في التعليم بمراحله المختلفة لكثيرٍ من الأسباب، أبرزها: محدودية المدارس والمراكز التعليمية المختصة في البلد، وتوقف بعضها بسبب الحرب، وضعف الإمكانيات الخاصة بذوي الإعاقة المتوفرة فيها.

تقول فاطمة خ. ر. -17 عامًا- (من محافظة الحديدة غربي اليمن) التي تعاني من ضمور في عضلات العمود الشوكي منذ صغرها: “نزحت أسرتي من مدينة الحديدة إلى إحدى القُرى بسبب الحرب، وبسبب ذلك النزوح لم أستطع إكمال دراستي التي أعشقها وأهيمُ بها، وأرى نفسي ومستقبلي فيها، وفي القرية كما تشاهد لا يمكنني أن أكمل دراستي لأسبابٍ عدة على رأسها بعد المسافة بيني وبين المدرسة، وعدم توفر البيئة المناسبة والإمكانيات لي كمعاقة في مدرسة القرية مقارنةً بالمدرسة التي كنتُ أترددها في المدينة وهي خاصة بنا كمُعاقات”. (حيثُ تبعد أقرب مدرسة عن فاطمة حوالي 7 كيلومترات تقريبًا(
أفراح دهرة -مختصة دمج في إحدى جمعيات الكفيفات بالعاصمة اليمنية صنعاء- تتحدث عن أبرز الصعوبات التّي تُواجِه مثل هذهِ الجمعيّات التي تهتم بذوات الإعاقة البصريَّة قائلةً: “تواجهنا صعوبات جمة وكثيرة اتجاه الكفيفات منها: عدم تعاون المدارس الخاصة معنا، والسبب في ذلك تخوف تلك المدارس من الأدوات والمناهج الدراسية الخاصة بالكفيفات، وتوفير الكادر المُناسب الذي يمكنه العمل عليها، وما سيترتب على ذلك من مسؤوليات وأدوار”.
وتبين دراسة جديدة أعدتها مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان OHCHR أن النُظم المدرسية اعتمدت نهجًا تمييزيًا ضد الأشخاص ذوي الإعاقة يمكن أن تؤدي إلى حرمانهم من حقهم في التعليم. ووفقًا لها أيضًا فإنه يُستبعد بعض التلاميذ من الالتحاق بالنظام التّعليمي على أساس وجود إعاقة لديهم، دون أن تُتاح لهم أي فرصة تعليمية أخرى. ويُرسَل آخرون إلى مدارس أعدت لمعالجة إعاقات معينة، وعادةً ما يكون ذلك في إطار نظام تعليمي مخصوص، ويُفصَلون عن التلاميذ الآخرين. كما نوّهت إلى أنه لابدَ من إدماج بعض التلاميذ في مدارس عادية طالما أنهم قادرون على التكيف مع المعايير المعمول بها في هذه المدارس.
وهنا لابد أن تلعب وزارة التربية والتعليم وإداراتها المختلفة دورًا هامًا في تبني خطةً شاملةً من خلال القوانين واللوائح التي تعطي الحق للأشخاص من ذوي الإعاقة -بشكلٍ عام- لتوفير حق (التعليم للجميع) في ظل بيئة تربوية تعليمية تتميز بجودتها العالية، وتطوير البنية التحتية لقطاع التعليم والمناهج ومعايير ووسائل التقييم، وتطوير قدرات العاملين من ذوي الإعاقة، وتطوير القوانين والأنظمة والارتقاء بالأداء المؤسسي لهم، ودعم الخطط والاستراتيجيات في هذا الاتجاه.

الحرب وآثارها
يُعدُّ ذوي الإعاقة -ذكورًا وإناثًا- من أكثر الفئات التي تعاني من التهميش أثناء النزاعات المسلحة والأزمات، ورغم الدعوات المتزايدة لتحسين سُبل إدماجهم في برامج المساعدات الإنسانية في اليمن، فما زالوا يواجهون عقبات كبيرة في نيل حقوقهم على قدم المساواة مع غيرهم، وما زالوا مُستبعدين من المشاركة والتَّمثيل الفعَّالين في عمليات اتخاذ القرار. ويُذكر أنه في حالات النزاعات الطويلة من قبيل النزاع في اليمن، فإن من شأن الاضطرابات في الخدمات المختلفة -بما في ذلك خدمات الصحة والتعليم وغيرهما- فضلًا عن الأعباء التي تفوق قدرة المساعدات الإنسانية، أن تترك آثارًا مضاعفة على الأشخاص ذوي الإعاقة. وبحسب صندوق رعاية وتأهيل ذوي الإعاقة في اليمن، فإن الحرب منذ اِندلاعها في مارس 2015 تسببت في أكثر من 7,000 حالة إعاقة، أغلبها شملت بترًا للأطراف، ومن بين تلك الحالات الكثير من النساء والأطفال.
سوسن علي -23 عامًا بكالوريوس علم اجتماع- (من محافظة حضرموت شرق اليمن) معاقة منذ صغرها بشلل الأطفال تقول: “نحن -ذكورًا وإناثًا- نشكّل أكبر أقلية في العالم، والمعروف أن النساء ذوات الإعاقة يتضررن على نحوٍ مضاعف أَكثر من غيرهِن، ويعانين من الإقصاء بسبب نوعهن الاجتماعي وإعاقتهن على حدٍ سواء، كما إننا مُعرضات بشكلٍ خاص لسوءِ المعاملةِ. ولا يخفى عليكم بأن الحروب والنزاعات تعاني خلالها النساء ذوات الإعاقة من معدلات أعلى للعنف المبني على النوع الاجتماعي وغيره من أشكال العنف في أثناء النزاعات، وهذا بالفِعل ما يحصلُ معنا في اليمن”.
تقول شانثا راو باريغا -مديرة قسم حقوق الإعاقة في هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية-: "كما تتأثر النساء والأطفال بشكلٍ خاص أثناء النزاعات والنزوح، فإن ذوي الإعاقة يواجهون أيضًا تحديات خاصة عندما تصير حياتهم مهددة بسبب الحرب".
ورغم أن المنظمات والجهات المانحة ووكالات الإغاثة مثقلة بأولويات متناقضة أثناء الطوارئ في بلدٍ يستعر بالنزاع كاليمن، إلا أنه أصبح لزامًا عليها الاستجابة لحاجات ومشاغل ذوي الإعاقة على اختلافهم في إطار جهودها الإنسانية، وذلك من خلال تحليل احتياجاتهم في إطار النزاعات التي تشهدها البلاد، وضمان توفير المساعدات التي يحتاجون إِليها.
وفي هذا الصّدد وعلى هامش أعمال مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الاعاقة المنعقِد في العام 2015 تُؤكِد اللبنانية سيلفانا اللقيس -رئيس المكتب الإقليمي العربي للمنظمة الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة- بقولها: “لا تستثنوا حاجات ذوي الإعاقة من أجندة التنمية المقبلة”، وتواصل حديثها: “للأسف ما نعرفه اليوم أن معظم أهداف التنمية المستدامة وهي 17 هدفًا، لا تمثل الأشخاص ذوي الإعاقة إلا في خمسة أهداف فقط، حيث القضايا التي تعنينا ليست مدرجة في جميع أهداف التنمية، وهذا حتمًا سيؤثر سلبًا على حياتنا”.
وتنوّه رشا محمد -الباحثة في شؤون اليمن بمنظمة العفو الدولية-: “أن الأشخاص ذوي الإعاقة في جميع أنحاء العالم يطالبون عن حق بأن لا تُتخذ أية قرارات بشأنهم بدون مشاركتهم، واليمن ليس استثناءً من ذلك. كما يجب على الجهات الدولية المانحة أن تسارع بالوفاء بشكلٍ كاملٍ بتعهداتها فيما يتعلق بتمويل العمليات الإنسانية، وأن تبذل مزيدًا من الجهد بما يكفل عدم تجاهل الأشخاص ذوي الإعاقة -ومن ضمنهم النساء-“.
وهنا تتحدّث -المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان- جوانا ورونيكا عن وضع ذوي الإعاقة بشكلٍ عام أثناء الحروب والنزاعات قائلةً: “إنهم يتعرضون لخطر المجاعة وسوء المعاملة والقتل وغالبًا ما يتم تركهم وراء الركب، وإذا تمكنوا من الفرار من المناطق التي مزقتها الحروب فغالبًا ما يواجهون التمييز والحواجز التي تجعل من الصعب عليهم بدء حياةً جديدةً”. وفي رأي جوانا فإنه باتَ من الضروري أن يقوم مجلس الأمن الدولي بمناقشة هذا الموضوع، وإصدار وثيقة رسمية من المجلس بشأن مسألة الأشخاص ذوي الإعاقة في مناطق الحروب
المصدر:: موقع مواطن

